قصة الأعرابي وعجوز بني إسرائيل: درس في حسن الطلب من الله
قصة الأعرابي وعجوز بني إسرائيل: درس في حسن الطلب من الله
إكرام النبي في الطائف
في يوم من الأيام، وفي بدايات الدعوة، هاجر النبي صلى الله عليه وآله فرارًا من أذى أهل مكة إلى الطائف. وهناك أكرمه رجل من أهل الطائف، إذ لم يكن أهلها جميعًا قد أظهروا للنبي الاحترام الذي يستحقه؛ لكن هذا الرجل كان صاحب شهامة ومروءة، فقال للنبي: تفضل واستضفني، وأكرمه وأعزّه أيامًا معدودة.
عودة النبي إلى مكة ولقاء صاحبه
بعد أن حقق النبي صلى الله عليه وآله ما حققه، وعاد إلى مكة المكرمة رئيسًا في الدنيا ورئيسًا في الآخرة، جاء ذلك الرجل الذي أكرمه في الطائف. وقد قال له الناس: هذا هو الرجل الذي أضافك حين قدمت إلى الطائف من تهامة، وقد صار أمره الآن أمر النبوة. فجاء صاحبنا وسلّم على النبي، وذكّره بضيافته السابقة، فقال له: أتتذكر حين جئتني إلى الطائف قبل سنوات وكنت ضيفًا عندي؟ فقال النبي: نعم، صدقت، صدقت.
أمر النبي لصاحبه بأن يطلب ما يشاء
فأمر النبي صلى الله عليه وآله - وبيده كل الأمور بإذن الله، كما أن بيد الأئمة عليهم السلام كل الأمور بإذنه تعالى - أن يُعطى هذا الرجل ما يطلب. فقال له: اطلب ما تشاء. وهنا كان يمكن لصاحبنا أن يكون ذكيًا فيطلب أمرًا عظيمًا، لكنه طلب شيئًا بسيطًا: مائة رأس من الغنم مع رعاتها. فأُعطي ما طلب.
درس النبي لأصحابه
بعد ذلك، توجّه النبي صلى الله عليه وآله إلى أصحابه، وأعطاهم درسًا عظيمًا، فقال: لماذا لم يفعل هذا الرجل كما فعلت عجوز بني إسرائيل؟ فسأله أصحابه: وما قصة عجوز بني إسرائيل؟
قصة عجوز بني إسرائيل مع موسى عليه السلام
روى النبي صلى الله عليه وآله أنه لما أراد موسى عليه السلام أن يهاجر ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة (فلسطين)، أوحى الله عز وجل إليه أن ينقل معه رفات نبي الله يوسف عليه السلام. غير أن أحدًا من بني إسرائيل لم يكن يعرف مكان دفن رفات يوسف عليه السلام، فهذه من الأسرار الإلهية التي لا يعلمها إلا الله، شأنها شأن أمور كثيرة أخفاها الله عن العباد لحكمة يعلمها سبحانه.
فأخذ موسى عليه السلام يسأل عن مكان رفات يوسف، حتى قيل له: إن هناك عجوزًا كبيرة في السن قد تعرف مكانه. فجاء إليها موسى عليه السلام، فقالت له: نعم، أعرف مكان رفات يوسف عليه السلام، ولكن لا أخبرك إلا بشرط أطلبه منك، فإن قبلت أخبرتك.
تردد موسى عليه السلام
توقف موسى عليه السلام عند هذا الشرط، وخاف أن تطلب منه هذه العجوز أمرًا يعجز عن تنفيذه. فأوحى الله إليه أن يقبل شرطها كائنًا ما كان، وألا يخالف ما تطلبه.
طلب العجوز
فقالت له العجوز: أريد أن أكون معك في درجتك في الجنة.
فتعجب النبي صلى الله عليه وآله من ذكاء هذه العجوز وحسن اختيارها، إذ لم تطلب من الدنيا شيئًا، بل طلبت منزلة رفيعة في الآخرة.
الخلاصة والعبرة
قال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه: هذا الرجل (صاحب الطائف) لماذا لم يطلب مثلما طلبت عجوز بني إسرائيل؟ وقد نقل الإمام الصادق عليه السلام هذه الرواية في كتاب الكافي، مبينًا أن على الإنسان أن يطلب من الله عز وجل الأمور العظيمة، وألا يقتصر طلبه على متاع الدنيا الزائل، فما دامت هناك فرصة وأمل في الحياة، فإن المجال مفتوح لأن يسأل الإنسان ربه أعظم الأشياء وأجلّها.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يتجاوز عن سيئات أعمالنا، وأن يرزقنا الجنة مع محمد وآله الأطهار.